العيني

177

عمدة القاري

الناس بيان حاله وهم ثلاثة : الأول : عروة بن الزبير التابعي ، فقيه المدينة ، تقدم في كتاب الوحي . الثاني : المسور ، بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وبالراء ، ابن مخرمة ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ، الصحابي ، تقدم في باب استعمال وضوء الناس . الثالث : مروان بن الحكم بفتح الخاء المهملة وفتح الكاف ، الأموي ، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل حين نفى النبي ، عليه الصلاة والسلام ، أباه الحكم إليها ، وكان مع أبيه بها حتى استخلف عثمان ، رضي الله تعالى عنه فردهما إلى المدينة ، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة ، وطرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لأنه كان يفشي سره ، مات في خلافة عثمان ، ولما توفي معاوية بن يزيد بن معاوية بايع بعض الناس بالشام مروان بالخلافة ، ومات بدمشق سنة خمسة وستين . فإن قلت : مروان لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان بالحديبية ، وكيف روايته . قلت : رواية المسور هي الأصل لكن ضم إليه رواية مروان للتقوية والتأكيد . ذكر لغاته قوله : ( زمن حديبية ) بضم الخاء المهملة وفتح الدال وسكون الياء آخر الحروف الأولى وكسر الباء الموحدة وفتح الياء الثانية كذا قاله الشافعي : وبتشديد الياء عند أكثر المحدثين ، وقال ابن المديني : أهل المدينة يثقلونها ، وأهل العراف يخففونها قلت : هي تصغير : حدباء لأن حديبية قرية سميت بشجرة هناك وهي حدباء وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت هذه الشجرة ، وهي تسمى : بيعة الرضوان ، وقيل : هي قرية ، سميت ببئر هناك ، وعلى كلاًّ التقديرين الصواب التخفيف ، وهي على نحو مرحلة من مكة . قوله : ( وما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة ) قوله : ( تنخم ) فعل ماض من باب التفعل ، يقال : تنخم الرجل إذا دفع بشيء من صدره أوأنفه ، قال في ( المحكم ) وثلاثة نخم نخماً وفي ( الصحاح ) وفي ( المجمل ) : النخامة بالفم النخاعة ، وفي ( المغيث ) و ( المغرب ) ما يخرج من الخيشوم ، وزعم النووي أنها تخرج من الفم ، بخلاف النخاعة فإنها تخرج من الحلق . وقال بعض الفقهاء النخامة هي الخارج من الصدر ، والبلغم هو النازل من الدماغ ، وبعضهم عكسوا . قوله : ( إلا وقعت ) أي : ما تنخم في حال من الأحوال إلاَّ في حال وقوعها في الكف ، وهو إما عطف على : خرج ، وأما على الحديث ، ثم إما أن يراد : أنه ما تنخم من الحديبية إلاَّ وقعت في كف رجل ، وإما أن يراد إنه ما تنخم قط إلاَّ وقعت فلا يختص بزمن الحديبية . قال الكرماني ، والأول هو الظاهر . قلت : الثاني هو الأظهر . وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه ذكر حديث الحديبية هنا . قلت : إما لأن أمر التنخم وقع في الحديث ، وإما لأن الراوي ساق الحديثين سوقاً واحداً وذكرهما معاً وكثيراً ما يفعله المحدثون ، كما تقدم في حديث نحن الآخرون السابقون ، قلت لم يقطع الكرماني على الموضع الذي ساق البخاري فيه الحديث ، فلذلك ردد في جواب السؤال فلو كان أطلع عليه لم يتردد . بيان استنباط الأحكام منها : الاستدلال على طهارة البصاق والمخاط قال ابن بطال : وهو أمر مجمع عليه لا نعلم فيه خلافاً إلاَّ ما لاوي سلمان : أنه جعله غير طاهر ، وأن الحسن بن حي كرهه في الثوب ، وعن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه ، وذكر ابن أبي شيبة أيضاً في ( مصنفه ) عن إبراهيم النخعي ، أنه ليس بطهور . وقال ابن حزم : صح عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم ، وقال بعض الشراح . وما ثبت عن الشارع من خلافهم فهو المتبع ، والحجة البالغة ، فلا معنى لقول من خالف وقد أمر الشارع المصلي أن يبزق عن شماله أو تحت قدميه ، وبزق الشارع في طرف ردائه ثم رد بعضه على بعض وقال : أو تفعل هكذا وهذا ظاهر في طهارته ، لأنه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة ، ولا أن يصلي وفي ثوبه نجاسة . قلت : أما بصاق النبي صلى الله عليه وسلم فهو أطيب من كل طيب ، وأطهر من كل طاهر وأما بصاق غيره فينبغي أن يكون بالتفصيل ، وهو أن البزاق طاهر إذا كان من فم طاهر ، وأما إذا كان من فم يشرب الخمر فينبغي أن يكون نجساً في حالة شربه ، لأنه سؤره في ذلك الوقت نجس ، فكذلك بصاقه ، وكذا إذا كان من فم من في فمه جراحة أو دمل يخرج منه دم أو قيح . وقال أصحابنا الدم المساوي للريق ينقض الوضوء استحساناً كالغالب الناقص ، ولو كان لون الريق أحمر ينقض ، وإن كان أصفر لا ينقض ، ثم إذا حكم بطهارة البزاق على الوجه الذي ذكرناه يعلم منه أنه إذا وقع شيء منه في الماء لا ينجسه ، ويجوز الوضوء منه ، وكذا إذا وقع في الطعام لا يفسده ، غير أن بعض الطباع يستقذر ذلك فلا يخلو عن الكراهة . ومن الاستنباط من